الثلاثاء، 29 يوليو، 2008

من الوصايا النبوية (جوامع الكلم)


السواك صيدلية متكاملة في جيبك

من آداب الإسلام اليومية استعمال السواك، وهو سنة مستحبة في جميع الأوقات، ولكنه في خمسة أوقات أشدّ استحبابًا: عند الصلاة، وعند الوضوء، وعند قراءة القرآن، وعند الاستيقاظ من النوم، وعند تغير رائحة الفم.
وتحصُل السنة بكل مُزيل للصُّفرة من الأسنان سواء كان عودًا من شجر الأراك ونحوه أو الفرشاة المعروفة حاليًا.
وقال العلماء والمستحب أن يَستاك عرضًا ولا يَستاك طُولًا لئلَّا يُدميَ لحم أسنانه.
ويستحب أن يُمِرَّ السواك أيضًا على أطراف أسنانه وأضراسه وسقف حلقه إمرارًا لطيفًا.
ويستحب أن يبدأ في سواكه بالجانب الأيمن.
وقال ابن القيم في كتابه زاد المعاد باب "الطب النبوي" :
وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم :( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ) وفيهما أنه صلى الله عليه وسلم : (كان إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك) .
وفي صحيح البخاري تعليقاً عنه صلى الله عليه وسلم : (السواك مظهرة للفم مرضاة للرب) وفي صحيح مسلم : (أنه كان إذا دخل بيته، بدأ بالسواك) . و الأحاديث فيه كثيرة , وصح عنه من حديث أنه استاك عند موته بسواك عبد الرحمن بن أبي بكر ، و صح عنه أنه قال : (أكثرت عليكم في السواك) .
وأصلح ما اتخذ منه السواك من خشب الأراك و نحوه، ولا ينبغي أن يؤخذ من شجرة مجهولة، فربما كانت سامة، وينبغي القصد في استعماله، فإن بالغ فيه، فربما أذهب طلاوة الأسنان و صقالتها، وهيأها لقبول الأبخرة المتصاعدة من المعدة و الأوساخ، ومتى استعمل باعتدال جلا الأسنان، و قوي العمود، ومنع الحفر " التسوس " و طيب النكهة، ونقى الدماغ، وشهى الطعام .
وأجود ما استعمل مبلولاُ بماء الورد، ومن أنفعه أصول الجذور، قال صاحب التيسير :" زعموا أنه إذا أستاك به المستاك كل خامس من الأيام، نقى الرأس وصفى الحواس، وأحد الذهن" .

وفي السواك عدة منافع :
يطيب الفم، ويشد اللثة، ويقطع البلغم، و يجلو البصر، و يذهب بالحفر " التسوس"، و يصح المعدة، ويصفي الصوت، ويعين على هضم الطعام، و يسهل مجاري الكلام، و ينشط للقراءة والذكر والصلاة، و يطرد النوم، ويرضي الرب، ويعجب الملائكة، و يكثر الحسنات .
ويستحب في كل وقت، ويتأكد عند الصلاة وعند الوضوء، والانتباه من النوم، وتغير رائحة الفم، و يستحب للمفطر والصائم في كل وقت لعموم الأحاديث فيه، و لحاجة الصائم إليه، ولأنه مرضاة للرب، ومرضاته مطلوبة في الصوم أشد من طلبها في الفطر، ولأنه مطهرة للفم والطهور للصائم من أفضل أعماله . وفي السنن : عن عامر بن ربيعة رضي اتلله عنه، قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا أحصي .يستاك أول النهار و آخره.


1- المرجع/ موقع شبكة الأخبار العربية -محيط

الاثنين، 28 يوليو، 2008

الدولة الصفوية في إيران


التاريخ والمنهاج

ليس من قبيل المبالغة القول إن قيام الدولة الصفوية في إيران شكّل كارثة لإيران والعالم الإسلامي معاً، إذ ظلت إيران قرابة تسعة قرون تتبع مذهب أهل السنة والجماعة، فكانت الصبغة السنية واضحة في جميع ألوان النشاط البشري لأهلها، وهو ما مكّن هذا القُطر من المساهمة في بناء صرح الحضارة الإسلامية بواسطة علمائها، أمثال: البخاري، ومسلم، وسيبويه، والفراهيدي، والبيروني، وغيرهم. لكن بقيام الدولة الصفوية في إيران؛ تغيّر مسار النشاط البشري فيها تغيُّراً جذرياً في جميع مجالات الحياة: العقدية، والفكرية، والفنية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، ووُجّه الإيرانيون إلى وجهة مغايرة تتسم بالعداء الصارم لكل ما له صلة بأهل السنة. فقد كان قيام هذه الدولة مقترِناً بالقضاء على مذهب أهل السنة في إيران، كما تزامن مع ارتكاب مذابح ومظالم بحقهم، والتضييق عليهم في أغلب عهود الحكم الصفوي. كما أن التعصب المذهبي أوقع الصفويين في محذور عقدي؛ وهو التحالف مع الدول النصرانية في أوروبا؛ أملاً في إضعاف الدولة العثمانية السنية التي كانت تقود الجهاد ضد الصليبيين؛ رافعةً راية الإسلام، فاتحةً القسطنطينية، غازيةً في أوروبا، مما أضعف الفتوحات الإسلامية في هذه الجهة وأعاقها. وفي المقابل، رحب الصفويون بإقامة النصارى في بلادهم وعاملوهم بكل احترام وتقدير، ووثّقوا صِلاتهم الاقتصادية بالدول النصرانية في أوروبا، وسمحوا للتجار الأجانب بِحُرية الحركة في المدن الإيرانية، ومنحوهم الامتيازات التجارية، مما شجع على ازدياد النفوذ الأوروبي في منطقة الخليج، حيث مهّدوا له الطريق بعقد التحالفات العسكرية والتجارية مع البرتغاليين والهولنديين والإنجليز، فكان عهدهم بامتياز هو عهد إدخال قوى الاستعمار الأوروبي في هذه المنطقة. وهكذا نلاحظ موقف الرافضة في إيران من السنّة في هذا البلد أو في البلاد العثمانية، على أنهم أشد خطراً عليهم من أي عدو آخر، فنكّلوا بأهل السنّة في إيران، وجاهروا العثمانيين بالعداء، بينما أظهروا الود والموالاة للدول الأوروبية النصرانية والنصارى المقيمين في إيران. وقامت السياسة الصفوية على هذا الأساس طوال مدة حكمهم التي استمرت أكثر من قرنين من الزمان من سنة 907هـ (1507م) إلى 1148هـ (1735م).
• المعـاملة السيئـة لأهـل السنـة
:بعد دخول إسماعيل الصفوي مدينة تبريز؛ أصر على أن كل من يخالف التشيع ويرفضه؛ فإن مصيره القتل؛ حتى ذُكِر له أن عدد سكان تبريز السُّنة لا تقل نسبتهم عن الثلثين (65%)
[1]؛ فقال: إن من يقول حرفاً واحداً؛ فإنه سيسحب سيفه ولن يترُك أحداً يعيش. وقد روي أن عددَ مَنْ قُتِلوا في مذبحة تبريز أكثر من عشرين ألف شخص، ومورس ضد السكان السنَّة أبشع أنواع القتل والتنكيل، حيث قُطِّعت أوصال الرجال والنساء والأطفال ومُثِّل بالجثث
[2].وبعد هزيمته للأوزبك في محمود آباد - وهي قرية تبعد قليلاً عن مرو - سنة 916هـ /1510م؛ أعمل إسماعيل الصفوي القتلَ في أهل مرو، وأمضى فصل الشتاء في هراة، وأعلن فيها المذهب الرافضي مذهباً رسمياً، على الرغم من أن أهالي هذه المناطق كانت تدين بالمذهب السني. كما سعى تعصُّباً إلى إنشاء عدد من المدارس لتدريس مذهبه ونشره بين الناس
[3].وكان الشاه عباس الأول أيضاً شديدَ الحرص على نصرة المذهب الرافضي، مما دفعه للبطش بالمخالفين وإلحاق الأذى والضرر بهم، وبخاصة أهل السنة. وكان عباس هذا ينتقم من أهل السنة متى واتته الفرصة لذلك. وقد وصل العداء به إلى درجة أنه حاول إقناع الإيرانيين بالتخلي عن الذهاب إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، والاكتفاء بزيارة قبر الإمام الثامن علي بن موسى الرضا في مشهد؛ وذلك لأن الواجب القومي - في زعمه - يحتِّم عدم سفر الإيرانيين إلى مكة عبر أراضي العثمانيين السنة؛ حتى لا يدفعوا لهذه الدولة المعادية رسمَ عبور
[4].ويعلِّل رولان موسينيه هذا التصرف بالحيلولة دون خروج الذهب من البلاد
[5].ولكي يرغِّب قومه في هذه الفكرة؛ كان عباس الأول يكثر من التردد على مشهد وزيارة قبر الإمام الثامن بها. كما أن سيْرَه على الأقدام من أصفهان إلى مشهد كان وسيلة من وسائل ترغيبهم في تقليده والحج إلى ذلك المزار القبوري، بدلاً من التوجه إلى الكعبة المشرفة في مكة
[6]. ولذلك اعتاد الفرس أن يحجوا إلى مشهد بدلاً من الحج إلى مكة المكرمة
[7].وكانت المعاملة السيئة التي عامل بها الأكرادَ الإيرانيين مرجعُها بالدرجة الأولى إلى تبعية هؤلاء الأكراد للمذهب السني، وعدم قبولهم الدخول في مذهب الرافضة، مما جعلهم هدفاً لغضبه وحقده، ووصل الأمر في تعنّته معهم إلى درجة التشريد في البلاد، ونقلَ عدداً كبيراً منهم من كردستان إلى خراسان، وسبّب لهم ألماً نفسياً وإحساساً بالظلم والغربة والتشرد
[8].وكان الشاه عباس الأول قاسي القلب، خشناً مع الأسرى السنَّة من العثمانيين والأوزبك. وكان أقل عقاب يوقع عليهم إن لم يُقتلوا هو سَمْل عيونهم. ولم يكن يصفح عن أي أسير منهم إلا إذا أعلن تخلّيه عن المذهب السني ودخوله في المذهب الرافضي
[9].وقد نقل جلال الدين محمد اليزيدي (المنجِّم الخاص) للشاه عباس في كتابه «تاريخ عباسي» العديدَ من مظاهر تعنته مع أهل السنة، منها: - أنه نزل في عام 1008هـ (1599م) ببلدة سمنان؛ وبسبب تطاول حاكمها عليه وعدم امتثال أهلها لقوانينه؛ اعتُقِل عدد كبير من أهل السنة بها، وأمر عباس بإطعام عـوامهـم بآذان علمـائهم وأنوفهم، ثم حصّـل 300 تومان منهم تكفيراً لجرمهم!
[10] - وفي عام 1018هـ (1609م)، بلغه أن حاكم مدينة همذان - ويدعى (محمود الدباغ) وهو سني المذهب - كان يؤذي الشيعة هناك، فأمر بإلقاء القبض عليه والفتك به، ولكن محموداً اختفى، فأصدر الشاه أمراً مؤداه: إذا لم يظهر محمود الدباغ في ظرف ثلاثة أيام، فسيُقتل كل أفراد القبائل السنية في المدينة، ويُستولى على أموالهم ونسائهم وأطفالهم، وأخيراً ألقي القبض على الدباغ وأُعدِم
[11]. - وفي عام 1020 هـ (1611م)، زار عباس قبر الشيخ زاهد الجيلاني مرشد جده صفي الدين الأردبيلي، وتصدق بأموال طائلة، وأمر أن توزع على خدام القبر وزواره؛ بشرط ألا يقدَّم منها شيء لأي سني، كما قام بلعنهم
[12].وعلى العموم، فإن الصفويين الذين أقاموا دولة فارسية رافضية متعصبة في إيران؛ حاربوا أهل السنة الذين كانوا أكثرية في البلاد بكل الوسائل المتاحة لهم. • تشجيع رعايا الدول النصرانية في أوروبا على القـدوم إلى إيران واحتـرامهم وإكرامهم:بدأ هذا التشجيع منذ عهد إسماعيل الأول، وبلغ أَوْجَه في عهد الشاه عباس الأول. فـفي رسالة بعثها البوكيرك - الحاكم البرتغالي في الهند - إلى الشاه إسماعيل الأول جاء فيها: «إني أقدّر لك احترامك للنصرانيين في بلادك، وأعرض عليك الأسطول والجند والأسلحة لاستخدامها ضد قلاع الترك في الهند. وإذا أردت أن تنقضَّ على بلاد العرب أو تهاجم مكة؛ فستجدني بجانبك في البحر الأحمر أمام جدة أو في عدن أو في البحرين أو القطيف أو البصرة، وسيجدني الشاه بجانـبه على امـتداد الساحل الفـارسـي، وسـأنفـذ له كل ما يريد»!
[13].كما أن الصفويين في شخص عباس الأول شجّعوا لأول مرة بناءَ الكنائس، وأطلقوا العنان للمنصّرين والقسس ليفسدوا في بلاد المسلمين وليرفعوا رايات الشرك والضلال. وقد تساهل شاه عباس الأول تساهلاً لم يُسبق له نظير مع النصارى، وأصدر مرسوماً إلى رعاياه يؤكد فيه أنهم أصدقاؤه وحلفاء بلاده، وأنه يأمرهم باحترامهم وتبجيلهم وإكرامهم أين حلوا. كما فتح بلاده للتجار الإفرنج، وأوصى ألا تؤخذ الرسوم على بضائعهم، وألا يتعرض لهم أحد من الحكام أو الأهالي بسوء. وقد اشتهر هذا السلطان بحسن معاملته للنصرانيين من كافة الأجناس
[14].ويرى شاهين مكاريوس أنه أول من فعل مثل ذلك من سلاطين المسلمين في بلاد إيران
[15].وقد أرسل ملوك أوروبا رسلَهم وتجارهم لزيارة إيران وعقد معاهدات سياسية وصفقات تجارية مع الشاه عباس الأول؛ لتوفير كل متطلبات الأمن والراحة لهؤلاء الأوروبيين
[16].وفي عهد هذا الشاه، جاء اثنان من أكابر الإنجليز إلى إيران، وهما: أنتوني شرلي (SheRly) وأخوه روبرت شرلي، ومعهما خمسون فارساً، فأمر عباس باستقبالهم وإكرامهم، وقرّبهم منه وأجزل لهم العطايا. فحين وصلت هذه البعثة الإنجليزية إلى قزوين والشاه عباس موجود في خراسان؛ أصدر أوامره إلى عماله في قزوين بأن يحسنوا وِفادتهم، ويبالغوا في إكرامهم حتى يعود إلى قزوين، فوجد حين عاد جميع أعضاء البعثة يقفون على مشارف المدينة مع مستقبليه من كبار رجال الدولة الصفوية، فصافحهم وصحبهم إلى داخل قزوين، وأَنعم عليهم بإنعامات كثيرة، منها: مائة وأربعون من الخيل، ومائة بغل، ومائة جمل، ومبلغ عظيم من المال، ثم صحب أفراد البعثة معه إلى العاصمة أصفهان، حيث قضوا في ضيافته ستة أشهر
[17].واستشار كبيرَهم أنتوني شرلي في أمر الحرب مع العثمانيين، فأشار عليه بتعليم جنوده مبادئ العسكرية، وبالتحالف مع دول أوروبا ضد السلطنة العثمانية، فرضي الشاه بقوله، وانتدبه سفيراً لينوب عنه أمام حكومات أوروبا في هذا الأمر، وأصدر (فرماناً) بذلك يدل على ثقته التامة بهذا الرجل الإنجليزي الذي صار من أعظم المقربين إليه
[18].وفي عهد الشاه عباس الثاني (1642 - 1666م)؛ منح الناسَ حرية الأديان، وتمتع الأوروبيون في أيامه بالحرية وبنعمة السلطان، فكان تجارهم أدنى مجلساً منه ويروون الأمور عنه
[19].وهكذا نلاحظ في عصر الصفويين علاقات وثيقة مع الكفار، وانسجاماً وتفاهماً معهم، واحتراماً متبادلاً، ومودة ومحبة! مع العلم بأن الولاء والبراء أصل من أصول الاعتقاد، وركن من أركان توحيد الألوهية، وعروة من عُرى الإيمان، مما يعني عدم التساهل فيه على الإطلاق مهما كانت الدوافع؛ فالله - عز وجل - نهى المسلمين عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِـمِينَ} [المائدة: ١٥]. بل جعل - سبحانه وتعالى - اتخاذ الكافرين أولياءَ وعدمَ البراءة منهم، صفةً من صفات المنافقين، وسبباً في دخول النار وتبوّء الدرك الأسفل منها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْـمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا * إنَّ الْـمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: ٤٤١ - ٥٤١].
• تـوطيد العـلاقة مع الكنيسة الكـاثوليكية فـي روما والتعـاطف الشـديد مع نصارى إيــران:ومن الذين اتصل بهم الشاه عباس بابا روما، وحاول عن طريقه حثّ ملوك أوروبا النصارى على وحدة الكلمة والتعاون مع إيران للقضاء على الدولة العثمانية، كما اهتم البابا من جانبه بتوطيد علاقاته بالشاه عباس تدعيماً لموقف النصارى في إيران. وقد أرسل البابا عدة رسائل إلى عباس يوصيه فيها بحسن معاملة نصارى إيران والسماح لهم ببناء الكنائس وإقامة الطقوس النصرانية. ومن الرسائل المهمة التي تبين حرص البابا على تعميق هوة الخلاف بين الشاه عباس الأول والعثمانيين؛ تلك الرسالة التي أرسلها البابا بولس الخامس مع وفْدٍ وصل إلى إيران ليهنِّئ الشاه عباس بانتصاره على الأوزبك السُّنّة، ويحرضه على محاربة العثمانيين.
ومن النقط الهامة الواردة في هذه الرسالة ما يلي :
1 - كم يتمنى البابا إضعافَ الدولة العثمانية، وكم يأمل في التعاون مع جميع القوى الراغبة في تحقيق هذا الأمل! وسيجتهد في استنفار جميع الملوك النصارى للاتحاد بينهم؛ كي يقوموا بهجمة مشتركة ضد الدولة العثمانية من الغرب، في حين يقوم الشاه عباس بهجمة أخرى من الشرق.
2 - يعد البابا بإرسال المهندسين والخبراء العسكريين للعمل من أجل تقوية جيش إيران. 3 - يرغب البابا في إنشاء سفارة في كلٍّ من أصفهان وروما؛ للإشراف على توطيد العلاقات بين الطرفين.
4 - يأمل البابا من شاه إيران أن يُحْسِن معامـلة نصارى إيران، وكذلك النصارى الأجانب، وألاّ يعاقب من يعتنق الدين النصراني (أي المرتدين من المسلمين)، وألاّ يجبر النصارى على التخلي عن دينهم (أي الدخول في الإسلام)
[20] .وهكذا نجحت الكنيسة الكاثوليكية في حمل الشاه عباس الأول على التعاطف الشديد مع نصارى إيران، وكذلك نصارى أوروبا الذين كانوا يفِدون إلى إيران، إذ كانت لديه القابلية النفسية لهذا التعاطف. كما جعلوه يوافق على بناء الكنائس في أصفهان وغيرها من المدن الإيرانية، بل إنه أمر ببناء كنيسة في جلفا على نفقته الخاصة
[21].كما أنه سمح للبعثات التنصيرية بالقدوم إلى إيران، ومنحها حرية الحركة والتنصير. وقد أدى هذا إلى ارتداد بعض الإيرانيين عن الإسلام، ومنهم عدد من مستشاري الشاه عباس، بل إنه أدّى إلى اتهام بعضهم الشاه عباس نفسَه بالميل إلى النصرانية. كما أدى تعاطفه مع البعثات التنصيرية إلى أن عرض عليه أحد القساوسة الدخولَ في الدين النصراني، فردّ عليه الشاه قائلاً: لِنترُك هذا إلى وقت آخر
[22]!وكان الشاه عباس الأول حريصاً على التعاطف مع النصارى في كل مناسبة، والاشتراك معهم في احتفالاتهم الدينية، ولو أدى ذلك إلى الإقدام على أفعال تتجافى مع روح العقيدة الإسلامية. ففي عام 1018هـ (1609م) أرسل إلى بلاد الكرج؛ لإحضار عدد من الخنازير ليقدِّمها هدية لنصرانيي جلفا في عيدهم، ثم ذهب بعد ذلك لتهنئتهم بالعيد، وشاركهم احتساءَ الخمر، وأمر جميع مرافقيه من رجال البلاط الصفوي باحتساء الخمر مشاركةً للنصارى في هذه المناسبة، على الرغم من توافق ذلك العيد النصراني مع اليوم الخامس عشر من رمضان، ثم قال موجِّهاً حديثَه إلى أحد قساوستهم: «عندما تذهب إلى روما وتمثُل أمام البابا؛ أخبره كيف شربت الخمر في نهار رمضان، وأن ذلك في محضر القاضي والمفتي، وكيف جعلت الجميع يشربون الخمر، وقل له: إنه على الرغم من أنني لست نصرانياً؛ فإنني جدير بالتقدير والاحترام»
[23].وهكذا وقَع الشاه في عدد من المخالفات العقدية، وهي: تهنئة المشركين بعيدهم، ومشاركتهم في احتفالهم، وشرب المسكر، وانتهاك حرمة الصيام، والمجاهرة بالفسق، والتبجح بإكراه مرافقيه على ارتكاب المعصية. ومن البدهي أن المشابهة في الهَدْيِ الظاهر تورِث نوعَ مودة ومحبة وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر
[24].وقد ورد النهي في الحديث الشريف عن التشبُّه بالكفار، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «من تشبّه بقوم فهو منهم»
[25]، وعن عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه - قال: «اجتنبوا أعداء الله في دينهم»
[26].ومعلوم أن الأعياد من أخص ما تتميز به الأديان والشرائع، والموافقة فيها للكفار قد تنتهي إلى الكفر في الجملة بشروطه
[27].ومن مظاهر تعاطف الشاه عباس مع النصارى، حرصُه على زيارة الكنائس ولقاء القساوسة، والتباحث معهم في أمور دينهم، ومشاهدة مراسمهم الدينية وسماع مواعظهم وترانيمهم، حتى أصبح على دراية بكثير من تعاليم النصرانية
[28].ولأجل ذلك يمكن القول: إن الشاه عباس ارتكب هذه الأفعال الشنيعة نظراً للمغالاة في تعاطفه مع نصارى إيران، حتى عُدَّ عهده عصراً ذهبياً بالنسبة إليهم، ولرغبته في إرضاء نصارى أوروبا الذين كان يلهث وراء التقرب منهم، على أمل أن يساعدوه في حربه ضد العثمانيين السنّة. ونتيجة لتعاطفه الشديد مع النصارى؛ طلبت منه الكنيسة الكاثوليكية السماحَ لقساوستها بإعادة النصارى الذين اعتنقوا الإسلام إلى النصرانية مرةً أخرى، فقبِل الشاه عباس هذا الطلب. ومثال ذلك: ما حدث مع أحد غلمانه ويدعى (ألكسندر)؛ فقد استطاعت الجماعات التنصيرية إعادته إلى النصرانية بعد أن كان قد أعلن إسلامه من قبل
[29].فكيف يقبل عباس هذا الطلب، ولم يطالب هو الآخر ملكَ إسبانيا بإعادة المرتدين الثلاثة الذين كانوا ضمن بعثته الدبلوماسية إلى أوروبا؟!ولكن ينبغي الإشارة ها هنا إلى أن تعاطف هذا السلطان الصفوي مع النصارى إلى حد كبير هو العامل المؤثر في ردة بعض رجال بلاطه. ولم يقف عباس عند حد التعاطف القلبي مع النصارى والركون إليهم، بل إنه تمنى أن يرى جميع المساجد في البلاد العثمانية قد تحولت إلى كنائس؛ في المقولة التي وجهها إلى المبعوث الإسباني (أنتوني دي جوفا) وهو يحضه على محاربة العثمانيين: «كم أتمنى أن أرى في أقصر وقت ممكن جميع مساجد الأتراك وقد تحولت إلى كنائس! وكل أملي أن أرى سقوط الخلافة العثمانية وخرابها!»
[30].إن أغلى أمنية لديه - كما صرح - أن يرى الصليبيين الأوروبيين قد غزوا بلاد المسلمين واحتلوها، وانتصروا عليهم، وحوّلوا مساجدهم إلى كنائس، مما يعني ظهور دين الصليب وأفول نجم الإسلام. وهذا الموقف يدل دلالة واضحة على مظاهرة الكافرين ومعاونتهم على المؤمنين، وإظهار المسرة بانخفاض دين الرسول - صلى الله عليه وسلم - ؛ وهذه من أخص صفات المنافقين والمرتدين. ومـن نافـلة القول: أن الرافضة عُرفوا - على مدار التاريخ - بالكيد للسنة وأهلها ومظاهرة الأعداء عليهم، والحزن لظهور أهل السنة وعلوِّهم، والفرح بانهزامهم وانكسارهم. وقد كشف ابن تيمية عن موقفهم هذا بقوله: «... فالرافضة يوالون من حارب أهل السنة والجماعة، ويوالون التتار، ويوالون النصارى. وقد كان بالساحل بين الرافضة وبين الفرنج مهادنة، حتى صارت الرافضة تحمل إلى قبرص خيلَ المسلمين وسلاحهم، وغلمانَ السلطان وغيرَهم من الجند والصبيان. وإذا انتصر المسلمون على التتار أقاموا المآتم والحزن، وإذا انتصر التتار على المسلمين أقاموا الفرح والسرور...»
[31].ولكن على الرغم من سقطاته وزلاته الكبيرة وأخطائه الفادحة؛ فإن الإيرانيين حتى اليوم يعتبرون الشاه عباس الأول بطلاً قومياً استطاع أن يرفع من شأن وطنه ويجسد آمال الإيرانيين ويحقق أهدافهم، وبخاصة الانتصار على أعدى أعدائهم؛ العثمانيين السنة. أليس من الإنصاف إذاً الإطلاق على الإيرانيين المعاصرين أنهم الصفويون الجدد؟ ذلك أن الأفكار والمواقف التي كانت تهيمن على السابقين؛ هي نفسها التي توجه الحاضرين! فالتشيع ليس إلا واجهة لتحقيق أهدافهم القومية المرتكزة على العنصر الفارسي؛ وإلا فكيف نفسر حرمان الشيعة الأذريين في إيران من حقوقهم الثقافية والسياسية ودعم النظام الإيراني للأرمن النصارى المحتلين لـ 20 ٪ من أراضـي جمـهوريـة أذربيـجان؟! هـذا الاحـتلال الذي شرّد ما يقرب من مليون مسلم أذري لا ينتظرون الدعم من إيران، وإنما يدعونها باسم الإسلام للكف عن مؤازرة المحتلين الأرمن لأراضيهم. وكذلك كيف نفسر تآمر الجمهورية الإسلامية في إيران على طالبان وتواطؤها مع الأمريكان لإسقاط حكومتهم في كابل، بينما تقدِّم الدعم للفرس في أفغانستان وهم سنّة دون غيرهم من المسلمين! وهو موقف لا يمكن تفسيره إلا بأمر واحد، وهو: أن المهم بالنسبة إلى نظام الآيات أو الملالي في إيران هو العنصر الفارسي وليس الدين أو المذهب كما يدّعي، مما يكشف زيف شعاراته وادعاءاته. وفي الختام، إن الحكومة العراقية الحالية المتحالفة مع الأمريكان المحتلين، بسبب ما ترتكبه من جرائم بحق أهل السنة في العراق من خلال أجهزتها الأمنية والميليشيات الرافضية المتعاونة معها، التي تكونت منها الحكومة العراقية مثل: فيلق بدر، وحزب الدعوة، وجُلّ جيش المهدي؛ تذكرنا بالدولة الصفوية التي اقترن قيامها بالقضاء على مذهب السنة في إيران، بعد أن كان معظم أهل هذا البلد من السنة. وعرف عنها في التاريخ - كما مرّ بنا سابقاً - ارتكاب الصفويين مذابح يندى لها الجيش بحق أهل السنة في عهد إسماعيل الأول، ومعاملتهم إبّان حكم سلاطين هذه الدولة المتعصبة معاملةً سيئة وهم المسلمون، بينما حظي النصارى وهم الكفار بالاحترام والتقدير والتبجيل، وراح الشاهات يغدقون إنعاماتهم بسخاء على التجار النصارى! وأمّنوا لهم ممارسة شعائرهم الدينية بِحُرية، وعمدوا إلى التحالف مع المماليك الأوروبية ضد السلطنة العثمانية السنية؛ أملاً في إسقاطها، وإعاقة الفتوحات الإسلامية في أوروبا! والآن يعيد التاريخ نفسه؛ إذ نرى أن الحكومة الرافضية في العراق قد رهنت بلادها لإيران التي أحيا حكامُها بعد الثورة على الشاه كلَّ ما فعله الصفويون، ووضعت يدها في أيدي المحافظين أو الصليبيين الجدد، وتمارس ما مارسه أسلافها الصفويون بالأمس الدابر من خيانة وعمالة وظلم، وسفك دماء الأبرياء بغير حق، وتهجير العائلات والعشائر السنية من مناطقها. إن حكام العراق الجدد بعد الغزو الأمريكي لهذا البلد المسلم؛ قد سيطروا على مفاصل الدولة العراقية بحماية القوات الأمريكية، ويستهدفون بمشروعهم القومي الصفوي الفارسي المستتر بالدين والمذهب؛ عقيدةَ أهل السنة في العراق ووجودهم ومقدساتهم وثرواتهم. على أن حملات الإبادة لأهل السنة في كثير من مدن العراق وقراه وبواديه؛ ترمي إلى تصفية الوجود السني في بلاد الرافدين. وهذا يتطابق مع ممارسات أسلافهم الصفويين الذين تعصبوا للعنصر الفارسي، وسعوا لفرض هويتهم القومية الفارسية في إيران على حساب أهل السنة الذين كانوا يشكلون قبلَ قيام هذه الدولة معظمَ سكان إيران.
المراجع
[1] عبد الله الغريب: وجاء دور المجوس، ص 80، (بتصرف).
[2] أحمد الخولي: الدولة الصفوية، ص 51.
[3] فوزي توكر: الصفويون، شبكة المعلومات الدولية، موقع قوقل
(Google). [4] بديع محمد جمعة: الشاه عباس الكبير، ص 101، (بتصرف).
[5] القرنان 16 - 17م (تاريخ الحضارات العام) بإشراف موريس كروزيه، ج 4، ص574.
[6] بديع محمد جمعة: الشاه عباس الكبير، ص 102.
[7] رولان موسينيه: القرنان: 16 - 17م (تاريخ الحضارات العام) ج 4، ص 574.
[8] محمد أمين زكي: تاريخ الكرد وكردستان، ص 102.
[9] محمد بديع جمعة: الشاه عباس الكبير، ص 103. سَمَلَ العين: فقأها.
[10] المصدر السابق، ص102 (نقلاً عن تاريخ عباسي، ص 37 وما بعدها).
[11] المصدر السابق، ص 104 (نقلاً عن تاريخ عباسي، ص 37 وما بعدها).
[12] المصدر السابق، ص 104(نقلاً عن تاريخ عباسي، ص 37 وما بعدها).
[13] زكريا بيومي سليمان: قراءة جديدة في تاريخ العثمانيين، ص63.
[14] شاهين مكاريوس: تاريخ إيران، ص 154 - 156.
[15] المرجع السابق، ص 154.
[16] محمد بديع جمعة: الشاه عباس الكبير، ص 216.
[17] عباس إقبال: تاريخ إيران قبل الإسلام، ص 671، ومحمد بديع جمعة: شاه عباس الكبير، ص 250، (مصدره: رضا بازوكي: تاريخ إيران إزمغول تا أفشاريه، ص 320، طهران، 1334هـ ).
[18] شاهين مكاريوس، تاريخ إيران، ص 154 - 156.
[19] المرجع السابق، ص 158.
[20] محمد بديع جمعة: الشاه عباس الكبير، ص 271 - 272، (مصدره: أحمد تاج بخش: إيران درزمان صفويه، ص 220 - 241، تبريز، 1340هـ ).
[21] المرجـع السـابـق، ص107، (مصــدره : أحمد تاج بخش: إيران درزمان صفويه، ص 254 - 255).
[22] المرجع السابق، ص 276 - 277.
[23] المرجع السابق، ص 294 (مصدره: نصر الله فلسفي: زندكاني شاه عباس، ج 2، ص 264).
[24] شاهين مكاريوس، تاريخ إيران، ص 154 - 156.
[25] أخرجه أبو داود في السنن، ج 4، ص 314، رقم 4031. وقال الألباني في صحيح الجامع الصغير: صحيح؛ ج 2، ص 1059، رقم 6149.
[26] ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أهل الجحيم، ج 1، ص 513.
[27] المصدر السابق، ج 1، ص 528.
[28] محمد بديع جمعة: شاه عباس الكبير، ص 107، (مصدره: نصر الله فلسفي: زندكاني شاه عباس أول، ج 3، ص 72).
[29] المرجع السابق، ص 294، (مصـدره نصر الله فلسفي: زندكاني شاه عباس أول، ج 3، ص 81 - 84).
[30] المرجع الـسابـق، ص 295، (مصدره: نصر الله فلسفي: زندكاني شاه عباس أول، ج 4، ص 15).
[31] ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ج 28، ص 336 - 337.

عماد حمدي ناصف

الثلاثاء، 22 يوليو، 2008

رجال من التاريخ الإسلامي

سعيد بن جبير رحمه الله

كان الحجاج بن يوسف الثقفي من الولاة الظالمين الغاشمين ، وقد عمت سيئاته الأمة بأسرها .كان خالد بن عبد الملك القسري واليا على مكة ، وقد خُبِّرَ بوجود سعيد بن جبير فى ولايته ، فأراد أن يتخلص منه ، فألقى القبض عليه واعتقله ، وأرسل إلى الحجاج الظالم ودخل الإمام على الظالم.
قال الحجاج : ما اسمك ؟
قال سعيد : سعيد بن جبير.
الحجاج : بل أنت شقي بن كسير.
قال سعيد : بل كانت أمي أعلم باسمي منك.
الحجاج : شقيت أمك وشقيت أنت.
قال سعيد : الغيب يعلمه الله.
الحجاج : لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى.
قال سعيد : لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلهاً.
الحجاج : فما قولك في محمد؟
قال سعيد : نبي الرحمة وإمام الهدى.
الحجاج : فما قولك في علي أهو في الجنة أم في النار؟
سعيد : لو دخلت وعرفت من فيها ، عرفت أهلها.
الحجاج : فما قولك في الخلفاء؟
سعيد : لست عليهم بوكيل.
الحجاج : فأيهم أعجب إليك؟
سعيد : أرضاهم لخالقي.
الحجاج : فأيهم أرضى للخالق؟
سعيد : علم ذلك عند الذي يعلم سرهم ونجواهم.
الحجاج : أحب أن تصدقني.
سعيد : إن لم أحبك لن أكذبك.
الحجاج : فما بالك لم تضحك؟
سعيد : وكيف يضحك مخلوق خلق من طين والطين تأكله النار!!!
الحجاج : فما بالنا نضحك؟
سعيد : لم تستو القلوب.
ثم أمر الحجاج بالذهب والفضة واللؤلؤ والزبرجد فجمعه بين يديه.
فقال سعيد : إن كنت جمعته لتتقي به فزع يوم القيامة فصالح وإلا ففزعة واحدة تذهل كل مرضعة عما أرضعت ، ولا خير في شئ من الدنيا إلا ما طاب وزكا .ثم دعا الحجاج بالعود والناي ، فلما ضرب بالعود ونفخ في الناي بكى سعيد.
فقال الحجاج : ما يبكيك أهو اللعب؟
قال سعيد : هو الحزن ، أما النفخ فذكرني يوما عظيماً يوم ينفخ في الصور ، وأما العود فشجرة قطعت من غير حق !! وأما الأوتار فمن الشاة تبعث يوم القيامة !!!
فقال الحجاج : ويلك ياسعيد.
فقال سعيد : لا ويل لمن زحزح عن النار وأدخل الجنة.
قال الحجاج : اختر يا سعيد أي قتلة أقتلك؟
قال سعيد : اختر أنت لنفسك فوالله لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها في الآخرة.
قال الحجاج : أتريد أن أعفو عنك؟
قال سعيد إن كان العفو فمن الله ، وأما أنت فلا براءة لك ولا عذر.
قال الحجاج : اذهبوا به فاقتلوه ، فلما خرج ضحك فأخبر الحجاج بذلك ، فردوه إليه.
قال الحجاج : ما أضحكك؟
قال سعيد : عجبت من جرأتك على الله وحلم الله عليك.
فأمر بالنطع فبسط ، وقال اقتلوه.
قال سعيد : وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين.
قال الحجاج : وجهوا به لغير القبلة.
قال سعيد : فأينما تولوا فَثَمَّ وجه الله.
قال الحجاج : كبوه على وجه.
قال سعيد : منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى.
قال الحجاج : اذبحوه.
قال سعيد : والسكين على رقبته وقد استسلم لقضاء الله : أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله ، خذها مني حتى تلقاني بها يوم القيامة ، اللهم لا تسلطه على أحد يقتله من بعدي.
وعاش الحجاج بعده أيام قلائل ، قيل ثلاثة وقيل خمسة ، وقيل خمسة عشر ، وقيل أكثر من ذلك ، فسلط الله على الحجاج البرودة حتى كان والنار حوله يضع يده فى الكانون فيحترق الجلد ولا يحس بالحرارة ووقعت الأكلة في داخله والدود ، فبعث إلى الحسن البصري فقال : أما قلت لك لا تتعرض للعلماء ؟ قتلت سعيداً !!!
ويقال : إنه كان في مرضه كلما نام رأى سعيداً آخذاً بمجامع ثوبه يقول له ياعدوا الله فيم قتلتني ؟ فيستيقظ مذعوراً فيقول مالي وسعيد بن جبير ، فسبحان الله الحليم الكريم يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته { وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } (البقرة : 144) ، { وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ } (إبراهيم : 42)
قتل رحمه الله 95 هـ . رحمه الله تعالى ورضي عنه.
أعرض عن الهجران والتمادي *** وارحل لمولى منعم جــواد
ما العيش إلا في جواره ســارة *** قد شربوا من خالص الوداد

وصدق القائل :
خذوا كل دنياكم واتركوا *** فؤادي حراً وحيداً غريبـــــا
ًفـإني أعظمــكم دولـــــة *** وإن خلتموني طريداً سليبـــا
عماد حمدي...

الأحد، 20 يوليو، 2008

واحة الشعر

أماه........
أماه يا نبع الحنــــــــــــــــان تحية ** وإليـــك مــن فيض الجنـــان سلامـــــا
وسكبت من أجل الصغار مدامعـــا ** حفرت على الوجــــــــه الحبيب مقامـا
كم بات جفنك بالليالى ســــــــاهرا ** واذقتنى طعم الحنان طعـــــــــــــــامــا
وغفرت يا أماه كل مســــــــــــاءة ** منى و كان الصفح منــــك دوامـــــــــا
وبذلت عمرك للصغير تمامــــــــه ** حتى غدا للراكعين إمــــــــــــامــــــــا
وغدت بيوت الله تعرف خطــــوته ** ولدينه حمل الهموم عظــــــــامـــــــــا
وغدوت يا اما ليثـــــــــا إن دعـــا ** دينى لبأس لا أهــــــــــاب رحـــــــاما
أماه لن يكفى الكلام تحـــــــــــــية ** أبدا و لو سقت البحــــــــار كـــــــلاما
لو كان يكفيك الكلام تحيــــــــــــة ** لسجنت من سحر البيـــان ســــــلامــا
أولست من وهبت كرائم عمرهـــا ** لنكـــــــون فى ركب الأنــــــــام كراما
أولست من ذاق الفؤاد حنانـــــــها ** وفرشت لى مهد الحنـــــــــــــان منامـا
والله يا خير الأحبـــــــــــــة إننـى ** أرجـو اللقاء أقبـــــــــــل الأقدامـــــــــا
فالله أسال أن تجازى عنـــــــــــده ** خير الجـــــزاء وترجى الإنعـــــــــــام
والله اسأل أن تكـــــــــــــون عنده ** بجوار أحمد مغنـــــما و مقــــــــــــامـا
عماد حمدي...

السبت، 19 يوليو، 2008

السلفية هي الفهم الصحيح للإسلام


الحمد لله, والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
السلفية ليست فهم شخص من الأمة للإسلام غيرِ معصوم.
السلفية ليست مجرد اعتقاد السلف ـرضي الله عنهم.
السلفية ليست امتثال الهدي الظاهر وحده.
السلفية منهج حياة متكامل، وصياغة للحياة كما لو كان السلف الصالح -وهم الصحابة والتابعون وتابعوهم من أهل القرون الخيرية- يعيشون في زماننا.
السلفية عقائد، وأخلاق، وآداب، وأعمال، وأقوال، موافقة لما كان عليه سلف الأمة.
السلفية هي الامتداد الطبيعي للإسلام الخالي من البدع، والشبهات والشهوات.
فإن قال قائل: ولماذا لا يكفي اسم الإسلام؟ (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ)(الحج: 78)، فالجواب كان يكفي اسم الإسلام لو لم تفترق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كما أخبر المعصوم -صلى الله عليه وسلم-، لكن لما افترقت الأمة، وظهرت فيها البدع التي أخبر عنها النبي -صلى الله عليه وسلم- كان لابد لمن تمسك بهدي الجماعة الأولى وما كانت عليه أن يتميز باسم ومنهج. كما قيل للإمام أحمد: "ألا يسعنا أن نقول القرآن كلام الله ونسكت فقال: كان هذا يسع من قبلنا". أي: قبل ظهور قول المعتزلة بأن القرآن مخلوق.
فكان يكفي المسلم أن يقول القرآن كلام الله، ولكن بعد ظهور البدعة لا يكفيه ذلك حتى يقول القرآن كلام الله غير مخلوق.
فاسم الإسلام كان يكفي عندما كانت الأمة جماعة واحدة، وقبل ظهور البدع.

قال عبد الله بن مسعود: "إنكم قد أصبحتم اليوم على الفطرة، وإنكم ستُحدِثُون ويُحدَثُ لكم، فإذا رأيتم محدَثةً فعليكم بالعهد الأول".
وقال الإمام مالك: "لم يكن شيء من هذه الأهواء، على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأبي بكر، وعمر، وعثمان".
فالبدع ظهرت في آخر عهد الصحابة -رضي الله عنهم- مصداقاً لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلا فاً كثيراً)(رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني).
ولذا لما سئل عبد الله بن المبارك عن الجماعة. فقال: "أبو بكر وعمر. فقيل قد مات أبو بكر وعمر. فقال: فلان وفلان. فقيل: قد مات فلان وفلان، فقال: أبو حمزة السكري جماعة".
فالسلفية هي التمسك بهدي الجماعة الأولى التي أمامها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فنحن ننتسب إلى هذه الجماعة عبر القرون والأجيال، ففي الصفوف الأولى منها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وبقية العشرة، وأهل بدر وأهل الحديبية، ومنها أئمة الفقه، كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، وأئمة الحديث كالبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
وأئمة التفسير كابن جرير الطبري، وابن أبي حاتم، وابن كثير، وغيرهم من الذين حافظوا على عقيدة الصحابة، وفهم الصحابة للكتاب والسنة والذين نفضوا الغبار عن منهج أهل السنة والجماعة، كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن رجب، ومحمد بن عبد الوهاب والألباني وابن باز -رحم الله الجميع-، وجمعنا بهم في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
كتبه فضيلة الشيخ أحمد فريد

الأربعاء، 16 يوليو، 2008

حوار مع الشيطان

حاورت الشيطان الرجيم في الليل البهيم فلما سمعت أذان الفجر أردت الذهاب إلى المسجد فقال لي :عليك ليل طويل فارقد.
قلت: أخاف أن تفوتني الفريضة
قال :الأوقات طويلة عريضة
قلت: أخشى ذهاب صلاة الجماعة
قال: لا تشدد على نفسك في الطاعة
فما قمت حتى طلعت الشمس ...
فقال لي في همس : لا تأسف على ما فات فاليوم كله أوقات
وجلست لآتي بالأذكار ففتح لي دفتر الأفكار
فقلت: أشغلتني عن الدعاء
قال: دعه إلى المساء
وعزمت على المتاب ،
فقال: تمتع بالشباب!
قلت: أخشى الموت
قال: عمرك لا يفوت ...
وجئت لأحفظ المثاني
قال: روّح نفسك بالأغاني
قلت: هي حرام
قال: لبعض العلماء كلام!
قلت: أحاديث التحريم عندي في صحيفة
قال: كلها ضعيفة
ومرت حسناء فغضضت البصر
قال: ماذا في النظر؟
قلت: فيه خطر
قال: تفكر في الجمال فالتفكر حلال
وذهبت إلى البيت العتيق فوقف لي في الطريق ..
فقال: ما سبب هذه السفرة ؟
قلت: لآخذ عمرة
فقال: ركبت الأخطار بسبب هذا الاعتمار وأبواب الخير كثيرة والحسنات غزيرة
قلت: لابد من إصلاح الأحوال
قال: الجنة لاتدخل بالأعمال
فلما ذهبت لألقي نصيحة ..
قال: لا تجر إلى نفسك فضيحة
قلت: هذا نفع العباد
فقال: أخشى عليك من الشهرة وهي رأس الفساد
قلت : فما رأيك في بعض الأشخاص؟
قال : أجيبك على العام والخاص
قلت : أحمد بن حنبل؟
قال : قتلني بقوله عليكم بالسنة والقرآن المنزّل
قلت : فابن تيمية؟
قال : ضرباته على رأسي باليومية
قلت : فالبخاري؟
قال : أحرق بكتابه داري
قلت : فالحجاج ؟
قال : ليت في الناس ألف حجاج فلنا بسيرته ابتهاج ونهجه لنا علاج
قلت : فرعون ؟
قال : له منا كل نصر وعون
قلت : فصلاح الدين بطل حطين؟
قال : دعه فقد مرغنا بالطين
قلت : محمد بن عبدالوهاب؟
قال : أشعل في صدري بدعوته الالتهاب وأحرقني بكل شهاب
قلت : أبوجهل؟
قال : نحن له أخوة وأهل
قلت : فأبو لهب ؟
قال : نحن معه أينما ذهب !
قلت : فلينين؟
قال : ربطناه في النار مع استالين
قلت : فالمجلات الخليعة ؟
قال : هي لنا شريعة
قلت : فالدشوش ؟
قال : نجعل الناس بها كالوحوش
قلت : فالمقاهي ؟
قال : نرحب فيها بكل لاهي
قلت : ما هو ذكركم؟
قال : الأغاني
قلت : وعملكم؟
قال : الأماني
قلت : وما رأيكم بالأسواق ؟
قال : علمنا بها خفاق وفيها يجتمع الرفاق
قلت : فحزب البعث الاشتراكي ؟
قال : قاسمته أملاكي وعلمته أورادي وأنساكي
قلت : كيف تضلّ الناس ؟
قال : بالشهوات والشبهات والملهيات والأمنيات والأغنيات
قلت : كيف تضلّ النساء ؟
قال : بالتبرج والسفور وترك المأمور وارتكاب المحظور
قلت : فكيف تضلّ العلماء؟
قال : بحب الظهور والعجب والغرور وحسد يملأ الصدور
قلت : كيف تضلّ العامة ؟
قال : بالغيبة والنميمة والأحاديث السقيمة وما ليس له قيمة
قلت : فكيف تضلّ التجار ؟
قال : بالربا في المعاملات ومنع الصدقات والإسراف في النفقات
قلت : فكيف تضلّ الشباب ؟
قال : بالغزل والهيام والعشق والغرام والاستخفاف بالأحكام وفعل الحرام
قلت : فما رأيك بدولة اليهود (اسرائيل) ؟
قال : إياك والغيبة فإنها مصيبة واسرائيل دولة حبيبة ومن القلب قريبة
قلت : فأبو نواس؟
قال : على العين والرأس لنا من شعره اقتباس
قلت : فأهل الحداثة؟
قال : أخذوا علمهم منا بالوراثة
قلت : فالعلمانية؟
قال : إيماننا علماني وهم أهل الدجل والأماني ومن سماهم فقد سماني
قلت : فما تقول في واشنطن؟
قال : خطيبي فيها يرطن وجيشي فيها يقطن وهي لي وطن
قلت : فما رأيك في الدعاة ؟
قال : عذبوني وأتعبوني وبهذلوني وشيبوني يهدمون ما بنيت ويقرءون إذا غنيت ويستعيذون إذا أتيت
قلت : فما تقول في الصحف ؟
قال : نضيع بها أوقات الخلف ونذهب بها أعمار أهل الترف ونأخذ بها الأموال مع الأسف قلت : فما تقول في هيئة الإذاعة البريطانية ؟
قال : ندخل فيها السم في الدسم ونقاتل بها بين العرب والعجم ونثني بها على المظلوم ومن ظلم
قلت : فما فعلت في الغراب ؟
قال : سلطته على أخيه فقتله ودفنه في التراب حتى غاب
قلت : فما فعلت بقارون ؟
قال : قلت له احفظ الكنوز يا ابن العجوز لتفوز فأنت أحد الرموز
قلت : فماذا قلت لفرعون ؟
قال : قلت له يا عظيم القصر قل أليس لي ملك مصر فسوف يأتيك النصر
قلت : فماذا قلت لشارب الخمر ؟
قال : قلت له اشرب بنت الكروم فإنها تذهب الهموم وتزيل الغموم وباب التوبة معلوم
قلت : فماذا يقتلك ؟
قال : آية الكرسي منها تضيق نفسي ويطول حبسي وفي كل بلاء أمسي
قلت : فما أحب الناس اليك ؟
قال : المغنون والشعراء الغاوون وأهل المعاصي والمجون وكل خبيث مفتون
قلت : فما أبغض الناس اليك ؟
قال : أهل المساجد وكل راكع وساجد وزاهد عابد وكل مجاهد
قلت : أعوذ بالله منك فاختفى وغاب كأنما ساخ في التراب وهذا جزاء الكذاب !
عماد حمدي ناصف

الثلاثاء، 15 يوليو، 2008

الذين سبقونا

قراءة في فكر الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب
الدعامــــــة الأولى : تحقيق مفهوم التوحيد :
لقد أراد الشيخ رحمه الله أن يوقظ الأذهان، وينبهها إلى أهمية تحقيق مفهوم التوحيد في حياتنا، وكان لابد للشيخ أن يشرح حقيقة "لا إله إلا الله" بعد أن ضاع مفهومها الصحيح واختفي خلف غيامات البدع والضلالات، فلا إله إلا الله هي كلمة التوحيد وسره الأعظم، ومتى تحققت في قلب العبد تخلص من كل ما سوى الله ـ تعالى ـ فخلص قلبه لله تعالى.
وقد قسم الشيخ ـ رحمه الله ـ التوحيد إلى ثلاثة أقسام :
القسم الأول : توحيد الربوبية وهو الذي أقر به الكفار على زمن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يدخلهم في الإسلام، وهو التوحيد بفعله تعالى
"قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ " .
القسم الثاني : توحيد الإلوهية وهو التوحيد الذي وقع فيه النزاع في قديم الدهر وحديثه ، وهو توحيد الله بأفعال العباد كالدعاء ، والنذر ، والنحر ، والرجاء ...الخ ، ولقد ركز الشيخ ـ رحمه الله ـ في دعوته على تحقيق توحيد الإلوهية لأن الخلل كان قد تسرب إلى هذا النوع من التوحيد خاصة ، وقد اعتبر الشيخ أن التوحيد والعبادة قرينان ، بل إن العبادة هي التوحيد ، وركز الشيخ على الجانب القلبي من مفهوم العبادة كالخوف والتوكل والإنابة والخشية ...الخ لأن الخلل إنما ينشأ عندما يصرف الإنسان هذه العبادة القلبية إلى غير الله من الأموات ، أو الأوثان ، أو الأحجار ... الخ فيسألهم بما يسأل به المولى سبحانه وتعالى .
وهذا ما صدم الشيخ ـ رحمه الله ـ عندما وجد الناس قد نصبوا أحجاراً وأوثاناً يعتقدون فيها النفع والضر ناهيك عما يحدث عند القبور والمشاهد من اعتقاد النفع والضر في الأموات.
كما اجتهد الشيخ ـ رحمه الله ـ من أجل تحقيق التوحيد في تقرير مسألة التحليل والتحريم التي هي حق محض لله ـ تعالى ـ لا ينبغي لأحد أن يشركه فيه كائناً من كان ، ويقول الشيخ في أسى وحزن :

" تغير الأحوال إلى هذه الغاية حتى صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال وتسمى الولاية، وعبادة الأحبار: هي العلم والفقه، ثم تغيرت الحال إلى أن عبد الله من ليس من الصالحين، وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين ".
لقد بذل الشيخ جهداً ضخماً من أجل تحقيق مفهوم التوحيد من جديد بعد أن استقرت مفاهيم باطلة في أذهان الناس، واعتبروها أنها الدين الذي لا يجوز الخروج عليه، ووجدت شعائر ومراسم ـ ما أنزل الله من سلطان ـ مورست على أنها الدين وما هي بذلك فكان لابد من جهد ضخم كالذي بذله الشيخ .
الدعــامــة الثانــية : محاربة مظــاهر الشــرك :
وكان لابد من استكمال المشروع الإصلاحي الذي خطه الشيخ، وذلك بتوضيح مظاهر الشرك وإبرازها والتحذير منها، وقد قسم الشيخ الشرك إلى أربعة أنواع:
النوع الأول : شرك الدعوة : والدليل قوله تعالى
: " فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ " .
النوع الثاني: شرك النية والإرادة والقصد.. والدليل قوله تعالى: " مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ* أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ".
النوع الثالث : شرك الطاعة والدليل قوله تعالى : " اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ " .
النوع الرابع : شرك المحبة والدليل قوله تعالى : " وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ " .
ومن المظاهر الشركية التي حاربها الشيخ " الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله" كالالتجاء إلى القبور والأوثان المنصوبة وما شابههما، والسؤال عندها دفع الضر أو تحصيل المصلحة، أو استجلاب الرزق يقول الشيخ ـ رحمه الله: ".. ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله".
ويدعو الشيخ إلى معرفة الرجال بالحق لا العكس، كيلا يغتر إنسان بعلم فلان أو زهده فيحمله ذلك على متابعته على خطأه وضلاله فيقول الشيخ: " وأنت ترى المشركين من أهل زماننا ، ولعل بعضهم من أهل العلم وفيه زهد واجتهاد وعبادة إذا مسه الضر قام يستغيث بغير الله مثل معروف الكرخى ، أو عبد القادر الجيلانى وأجل من هؤلاء مثل زيد بن الخطاب والزبير وأجل من هؤلاء مثل رسول الله .... فالله المستعان "
ولا ينسى الشيخ أن ينبه على أمور من الأفعال والأقوال هي ذرائع إلى الشرك وأبواب مفتوحة له عمد الشارع ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى التحذير منها والنهي عنها حفظاً لجناب التوحيد وصيانة له من دخائل الشرك وحبائله فنراه في كتاب "التوحيد" يعقد الأبواب التالية :
باب : ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين.
باب : ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده ؟!.
باب : ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله.
باب : ما جاء في حماية المصطفي ـ صلى الله عليه وسلم ـ جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك.
كل هذه أمور تبين مدى ما كان يتمتع به الشيخ من حس مرهف تجاه هذه القضايا المصيرية، وأوضحت مدى ما كان يتمتع به الشيخ من إلمام بأهداف الإسلام ومراميه العظمى من حيث إنه خاتم الأديان التوحيدية وجاء للقضاء على كل مظاهر الشرك وسد ذرائعه حتى يعبد الله وحده لا شريك له .
بقت قضية هامة تتعلق بنظرة الشيخ ـ رحمه الله ـ إلى من يتلبس بهذه الأعمال الشركية... هل يحكم بتكفيره عيناً ؟ أم أن الحكم العام لا ينسحب على المعين إلا بعد إقامة الحجة ؟
..وهو موضوع الحلقة القادمة بإذن الله .
عماد حمدي ناصف

The Admin

The Admin
Emad Hamdy

الإسلام قادم